الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

195

مناهل العرفان في علوم القرآن

فروق أخرى بين المكي والمدني توجد فروق أخرى بين المكي والمدني ، غير ما قدمناه في ضوابطهما وهذه الفروق فيها دقّة عن تلك ، لتعلقها في مجموعها بأمور معنوية وبلاغية . ثم إن أعداء الإسلام قد صاغوا عن طريق بعضها شبهات سدّدوا سهامها إلى القرآن الكريم لذلك أفردناها بعنوان ، توطئة لنقض تلك الشبهات « وقبل الرّمى يراش السّهم » . ونذكر من خواصّ القسم المكي أنه قد كثر فيه ما يأتي : ( أولا ) أنه حمل حملة شعواء على الشرك والوثنية ، وعلى الشبهات التي تذرع بها أهل مكة للإصرار على الشرك والوثنية ، ودخل عليهم من كل باب ، وأتاهم بكل دليل ، وحاكمهم إلى الحسّ ، وضرب لهم أبلغ الأمثال ، حتى انتهى بهم إلى أن تلك الآلهة المزيفة لا تقدر أن تخلق مجتمعة أقلّ نوع من الذباب ، بل لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شرّ عادية الذباب ، وقال : « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ » . ولما عاندوا واحتجّوا بما كان عليه آباؤهم ، نعى عليهم أن يمتهنوا كرامة الإنسان إلى هذا الحضيض من الذلة للأحجار والأصنام ، وسفّه أحلامهم وأحلام آبائهم الذين أهملوا النظر في أنفسهم وفي آيات اللّه في الآفاق ، وقبّح إليهم الجمود على هذا التقليد الأعمى للآباء والأجداد « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » . وناقشهم كذلك في عقائدهم الضالة التي نجمت عن تلك الوثنية من جحود الإلهيات والنبوّات ، وإنكار البعث والمسؤولية والجزاء . ( ثانيا ) أنه فتح عيونهم على ما في أنفسهم من شواهد الحق ، وعلى ما في الكون من أعلام الرشد ، ونوع لهم في الأدلة وتفنن في الأساليب ، وقاضاهم إلى الأوّليات